Follow by Email

mardi 28 juin 2016

من مواعظ القديس أغسطينس الأسقف (الموعظة 47، 12- 14 في الخراف : CCL 41، 582- 584) "لَو كُنتُ أتَوَخَّى رِضَا النَّاسِ لَمَا كُنْتُ عَبدًا لِلمَسِيحِ" (غلاطية 1: 10).


    "فَخرُنا هو شهادةُ ضميِرنا" (ر. ٢ قورنتس ١: ١٢). هناك رجالٌ يحكمون حكمًا باطلًا، مُفتَرُون، كثيرو الكلام والشَّكوى، يظُنّون الظُّنونَ في ما لا يرَوْن، ويريدون الإيقاعَ في من لا شُبهَةَ فيهم. ماذا يبقى لنا أمامَ هؤلاء سوى الرُّجوعِ إلى شهادةِ ضميرِنا؟ فنحن، أيّها الإخوة، لا نطلبُ مجدَنا، ويجبُ ألا نطلبَه، حتى في الأمورِ التي نريدُ أن نُرضيَ النَّاس فيها. إنما نطلبُ خلاصَهم. فإذا نحن سِرْنا سيرةً حسنةً وتَبِعونا لم يَضِلُّوا. فَلْيقتدوا بنا، إن نحن اقتدَيْنا بالمسيح. وَلْيَقتدوا هم بالمسيح إن لم نقتدِ نحن به. هو الذي يَرعى قطيعَه، وهو وحدَه الباقي مع جميعِ الرُّعاةِ الصَّالحين، والجميعُ مستقرُّون فيه.
    نحن لا نطلبُ منفعتَنا، عندما نريدُ أن نُرضِيَ النّاس. ولكنّنا نريدُ للنّاسِ أن يكونوا راضِين، ونفرح إذا هم ارتضَوْا بما هو صالح، وذلك لمنفعتِهم لا لمجدِنا. فيهم قالَ الرَّسول: "لَو كُنتُ أتَوَخَّى رِضَا النَّاسِ لَمَا كُنْتُ عَبدًا لِلمَسِيحِ" (غلاطية ١: ١٠). ومن أجلِهم قالَ: "اجتَهِدوا في إرضاءِ الجميعِ كما أجتَهِدُ أنا في إرضاءِ جميعِ النَّاسِ في كلِّ شيءٍ" (ر. ١قورنتس ١٠: ٣٣). هذان القولان كلاهما واضح، كلاهما هادئ، كلاهما طاهرٌ نقيٌّ، كلاهما لا تعكيرَ فيه. وأنتَ، ارْعَ وَاشرَب، من غيرِ ان تَدُوسَ العُشبَ وتُعكِّرَ الماءَ. 
    سمِعْتَ الربَّ يسوعَ المسيحَ نفسَه، معلِّمَ الرُّسُلِ، يقول: "فَلْتُضِئْ أعمالُكم أمامَ النَّاس، لِيَرْوا أعمالَكمُ الصّالحة، ويمجِّدوا أباكم الذي في السَّماوات" (ر. متى ٥: ١٦)، أعني أباكم الذي خلقَكم على ما أنتم عليه. "فنحن شعبُ مرعاه وخِرافُ يدَيْه" (ر. مزمور ٩٤: ٧). فالذي يستحقُّ الحمدَ والتَّسبيحَ هو الله الذي صنعَك صالحًا إن كُنْتَ صالحًا: لأنّكَ أنتَ لا تستطيعُ أن تكونَ إلا ضعيفًا. لماذا تريدُ إذًا أن تعكسَ الحقيقة، فإذا صنَعْتَ خيرًا طلبْتَ المديحَ لنفسِكَ، وإذا صنعْتَ شرَّا ألقيْتَ اللومَ على الله؟ فالذي قال: "لِتُضِئْ أعمَالُكُم أمَامَ النَّاس"، قالَ أيضًا: " إيَّاكُم أن تَعمَلُوا بِرَّكُم بِمَرًاى مِن النّاس" (متى ٦: ١). قد يبدو لك أنَّ في كلامِ الرَّسولِ تناقضًا، وكذلك في كلامِ الإنجيل. ولكن، إن لم تعكِّرْ مياهَ قلبِك، سوف ترى الانسجامَ والسَّلامَ في أقوالِ الكتابِ المقدَّس، وسوف تجدُ في ذاتِك أيضًا السَّلامَ.
    لِنَهتمَّ إذًا، أيُّها الإخوة، ليس فقط أن نعيشَ عيشةً حسَنةً، بل أن تكونَ سيرتُنا أمامَ النَّاس أيضًا حسَنةً، ولا نَهتَمَّ فقط أن يكونَ ضميرُنا مستريحًا، ولكنْ بقَدْرِ ما يَسمَحُ به ضُعفُنا وقِوانا البشريَّةُ الهزيلة، لِنَسعَ ألَّا نعمَلَ شيئًا يمكِنُ أن يُشكِّكَ أخانا الضَّعيف. وإلا كُنّا مِثلَ من يَرعَى العُشبَ النَّظيفَ ويَشرَبُ الماءَ النَّقِيَّ ثمَّ يدوسُ بأقدامِه مراعِيَ الله، فتَرعى الخرافُ الضَّعيفة ما دُسناه بأقدامِنا وتَشرَبُ الماءَ الذي عكَّرناه.