Follow by Email

jeudi 23 juin 2016

من مواعظ القديس غريغوريوس النيصي الأسقف (الموعظة 6: في التطويبات: PG 44، 1263-1266) "الله مَا رَآهُ أحَدٌ قَط"



    ما يمكنُ أن يحصلَ للنَّاظرِ من علُوِّ قِمّةِ جبلٍ شاهقٍ إلى أعماقِ البحرِ الفسيحِ، يحصلُ لذهني حينَ ينظرُ من سمُوِّ كلمةِ الله، وهي أشبهُ بقِمّةِ جبلٍ شاهقٍ، إلى أعماقِ الأفكارِ التي لا تُدرَكُ.
    في أماكنَ كثيرةٍ من السَّاحلِ يمكنُ رؤيةُ الجبلِ من الجهةِ التي تقابلُ البحر، فيبدو وكأنَّه مقطوعٌ من نِصفِهِ، وهو من القِمَّةِ إلى العمقِ مثلُ صخرةٍ ملساءَ مجرَّدةٍ من النُّتوءَات، وفي قسمِه العُلْوِيِّ تُطِلُّ القِمّةُ على الأعماق. ما يشعرُ به النَّاظرُ من هذا العلوِّ الشَّاهقِ إلى عمقِ البحر، تشعرُ به نفسي فيصيبُها دوارٌ، وهي تنظرُ مشدوهةً في قولِ الله العجيبِ: "طُوبَى لأطهَارِ القُلُوبِ فَإنَّهُم يُشَاهِدُونَ الله" (متى 5: 8).
    يقولُ إنَّ مشاهدةَ الله أمرٌ ممكنٌ لأطهارِ القلوب. ولكنَّ يوحنا الجليلَ يقولُ إنَّ "الله مَا رَآهُ أحَدٌ قَط" (يوحنا 1: 18). ويؤكِّدُ ذلك أيضًا بولسُ في تعاليمِه السَّامية حيث يقول: "هُوَ الَّذِي لَم يَرَهُ إنسَانٌ وَلا يَستَطِيعُ أن يَرَاه" (1 طيموتاوس 6: 16). هذه هي الصَّخرةُ الملساءُ والتي لا نُتُوءَ فيها والمُطِلَّةُ على الأعماقِ والتي ليسَ فيها أيُّ شيءٍ يمكنُ أن يكونَ سندًا أو عمادًا للفِكرِ. قال موسى النَّبيُّ أيضًا إنَّه لا يمكنُ الوصولُ إلى الله في قراراتِه العليَّة، ولا يمكنُ لعقلِنا أن يُدرِكَه أبدًا مهما اجتهدَ ليُدرِكَ ومهما سَعى ليَسمُوَ بذِهنِهِ، حيث قال : "لا يمكنُ أن يَرى اللهَ إنسانٌ ويَحيَا" (ر. خروج 33: 20).
    ومع ذلك فإنَّ مشاهدةَ الله هي الحياةُ الأبديّة. ويؤكِّدُ أركانُ الإيمانِ، يوحنا وبولس وموسى، أنَّه لا يمكنُ أن نشاهدَ الله. أتَرى الدُّوارَ الذي يُصِيبُ النَّفسَ ويجذبُها إلى العمق، حين تنظرُ في هذا الموضوع؟ إن كانَ الله هو الحياة، فإن لم نرَه لم تكنْ لنا الحياة. ويؤكِّدُ الأنبياءُ والرُّسُلُ بإلهامِ الرُّوحِ القُدُسِ أنَّه لا يمكنُنا أن نرى الله. فانظُرْ في أيَّةِ ضِيقةٍ يُوضعُ رجاءُ الإنسان؟
    إلا أنَّ الله يرفعُ ويَسنُدُ الرَّجاءَ المتداعي. كما صنعَ مع بطرسَ لمّا أصبحَ في خطرٍ وأخذَ بالغرق، فأعادَه إلى وضعٍ أمينٍ ومستقِرٍّ على سطحِ الماء.
    فإذا امتدَّتْ إلينا أيضًا يدُ الكلمة، وانتشلَتْنا من الاضطرابِ الذي يُصِيبُنا في أعماقِ تفكيِرنا، كنَّا في مأمنٍ من كلِّ خوف، واستطَعْنا أن نعانقَ الكلمةَ الذي يبدو وكأنَّه يقودُنا باليد. فهو الذي قال: طُوبَى لأطهَارِ القُلُوبِ لأنَّهُم يُشَاهِدُونَ الله .