Follow by Email

mardi 21 juin 2016

من كتابات القديس غريغوريوس النّيصي الأسقف في الكمال المسيحي (PG 46: 283- 286) لنُظهِرْ يسوعَ المسيح في جميعِ طرقِ معيشتِنا


    في ثلاثةِ أمورٍ يَظهرُ المسيحيُّ ويتميَّز، في العملِ والكلامِ والفِكرِ. وأوّلُها الفِكر، ثمّ يأتي الكلامُ الذي يَكشِفُ عن الفِكرِ المتكَوِّنِ والمنطبِعِ في الذِّهن ويعبِّرُ عنه. وبعدَ الفكرِ والكلامِ يأتي بالتّرتيب العملُ الذي ينفِّذُ ما تَمَّ تصوُّرُه في الذِّهن. فسَواءٌ ألجأْنا إلى العملِ أم إلى الفكرِ أم إلى الكلام، من الضَّروريِّ أن تكونَ جميعُ أقوالِنا وأعمالِنا وأفكارِنا موجَّهةً نحوَ المثالِ الإلهيِّ لهذه الأمور، كما تَظهرُ في المسيح، فلا نفكِّرُ في شيءٍ ولا نقولُ أو نعملُ شيئًا يكونُ بعيدًا عن سمُوِّه الرَّفيع.
    ماذا يجب أن يعملَ إذًا من استحقَّ أن يقبلَ اسمَ المسيحِ العظيم؟ عليه أن يفحصَ فحصًا دقيقًا جميعَ أفكارِه وأقوالِه وأعمالِه ليحاسبَ نفسَه ويرى هل تتَّجهُ جميعُها إلى المسيح، أم هي غريبةٌ عنه؟ ويمكنُ أن تَتِمَّ المحاسبةُ بعدَّةِ طرق. فإذا صدرَ عملٌ أو فِكرٌ أو قولٌ عن هوًى معتلٍّ، عرفَ أنَّ هذا لا يتَّفقُ بشكلٍ من الأشكالِ مع المسيح، وإنَّما يحملُ سمةَ وصورةَ العدُوِّ الذي يريدُ أن يُلقِيَ لآلئَ النَّفسِ في الوَحْلِ ليشوِّهَ بهاءَ الحجرِ الكريمِ ويُزيلَه.
    أمّا ما كانَ خالصًا من كلِّ هوًى معتلٍّ، وكانَ نقيًّا، فهو يتَّجهُ نحوَ أميِر السَّلامِ ومبدعِه، أي المسيح، ومنه تستمدُّ النَّفسُ أفكارَها وميولَها، كمِن مصدرٍ نقيٍّ لا فسادَ فيه، فتَحمِلُ في ثناياها شَبَهَ المصدرِ والأصل، مثلَ الشَّبَهِ بينَ الينبوعِ والماءِ السَّائلِ في الجدولِ والذي يتلأْلأُ صافيًا في الإناء. 
    الطّهارةُ هي نفسُها واحدة في المسيحِ وفي أذهانِنا. ولكنَّ المسيحَ هو ينبوعُها ومصدرُها، وأمّا طهارتُنا فتصدرُ عنه فتَجري فينا حاملةً معها جمالَ معاني الحياة. وينجمُ عن ذلك اتِّفاقٌ وانسجامٌ بيَن ما هو خَفِيٌّ وما هو ظاهرٌ في الإنسان، إذ إنَّ المشاعرَ الصَّادرةَ عن المسيحِ تنظِّمُ وتَبعَثُ فينا مشاعرَ التَّواضعِ والصِّدق. في هذا، في رأيي، يَكمُنُ كمالُ الحياةِ المسيحيّة. لأنَّنا إذا شارَكْنا في الصَّفاتِ والمعاني التي يتضمَّنُها اسمُ المسيحِ ظهرَت قدرتُها في الذِّهنِ وفي الصَّلاةِ وطُرُقِ المعيشةِ.