Follow by Email

dimanche 24 juillet 2016

من مواعظ القديس يوحنا فم الذهب في الرسالة الثانية إلى أهل قورنتس (رقم14، 1- 2: PG 61، 497- 499) فاض قلبي فرحًا في شدائدِنا كلِّها



    يعودُ بولسُ إلى الكلامِ على المحبّةِ ملطِّفًا حدّةَ عتابِه. فبعدَ التَّأنيبِ والعتابِ لأنّه أحبَّهم وهم لم يكترثوا لحبِّه، بل ابتعدوا عنه وانضمُّوا إلى أناسٍ مُفسِدين، يقولُ مرّةً أخرى بعبارةٍ لطيفة: "تَفَهَّمُوا كَلامَنَا" (٢ قورنتس ٧: ٢)، أعني "استجيبوا لحبِّنا". يطلبُ منهم القليل، والمعروفُ الذي يطلبُه يُفيدُ مَن يُعطيه أكثرَ مما يفيدُ آخِذَه. لا يقول: "استجيبوا لحبِّنا"، بل يقولُ قولًا تَظهَرُ فيه الرَّحمةُ واللِين: "تَفَهَّمُوا كَلامَنَا".
    مَن أبعدَنا عن أذهانِكم؟ مَن أخرجَنا من قلوبِكم؟ لأيِّ سببٍ تَضيقون بنا؟ وقالَ سابقًا: "لَسْتُم في ضِيقٍ عِندَنَا، إنما أنتُم في ضِيقٍ في قُلُوبِكُم" (٢ قورنتس ٦: ١٢). وهنا يقول بصراحة: "تَفَهَّمُوا كَلامَنَا بِرَحَابَةِ صَدرٍ" (٢ قورنتس ٧: ٢). فهو يجدِّدُ دعوتَه إليهم لكي يجذِبَهم إليه. لأنه ليس من جاذبٍ يحملُ على المحبّة أقوى من أن يُدرِكَ المحبوبُ أنَّ المُحِبَّ ينتظرُه ويرغبُ في حبِّه. 
    "قُلْتُ لَكُم مِن قَبلُ إنَّكُم في قُلُوبِنَا عَلَى الحَيَاةِ وَالمَوتِ" (٢ قورنتس ٧: ٣). هذا تعبيرٌ قويٌّ عن شدَّةِ محبّتِه لهم. فهو يريدُ أن يعيشَ وأن يموتَ معهم بالرَّغمِ من رفضِهم لحبِّه. يقولُ لهم: لسْتُم في قلوبِنا على أيِّ حال، بصورةٍ سطحيّة، بل كما قُلْت. لأنَّه قد يحدُثُ أيضًا أنَّ بعضَ المُحِبِّين يهربون أمامَ المخاطر. وأمّا نحن فلَسْنا كذلك. 
    " امتَلأْتُ بِالعَزَاءِ" (آية ٤) أيُّ عزاء؟ العزاءُ الذي جاءَني منكم: لأنَّكم عُدْتُم إلى حالٍ أفضلَ، فكانَت أعمالُكم سببَ عزاءٍ لي. هذه هي مِيزةُ المحبِّ: أن يعاتبَ لأنّه لا يجدُ الحبَّ مقابلَ حبِّه، وإذا عاتبَ خافَ أن يغاليَ في الكلام فيسبِّبَ الحزنَ لمن يُحِبُّ. ولهذا يقول: "امتَلأتُ بِالعَزَاءِ وَفَاضَ قَلبِي فَرَحًا" (آية ٤)
    وكأنَّه يَقولُ: أصَابَني حُزنٌ كَبيٌر بسببِكم. ولكنَّكم عوَّضْتم وكفَّيْتم. وكنتُم لي مصدرَ عزاءٍ وفير. فأزَلْتم عنّي الحزن، وليس هذا وحسبُ، بل ملأْتُم قلبي فرحًا فائضًا.
    ثم يبيِّنُ عظمةَ فرحِه، فلا يقولُ فقط: "فاضَ قلبي فرحًا"، بل يُضِيفُ: "في شدائدِنا كلِّها". بمعنى أنّ الفرحَ الذي سبّبْتموه لي هو من القوَّةِ بحيث لا تستطيعُ الشَّدائدُ أن تعكِّرَه، بل أزالَتْ قوّتُه جميعَ المتاعبِ التي أصابَتْني، ولم تترُكْ لي مجالًا لأشعرَ بها.