Follow by Email

vendredi 1 juillet 2016

من كتاب القديس أغسطينس الأسقف في علم الله السَّابق (فصل 15، 30- 31: PL 44، 981- 983) يسوع المسيح من نسل داود بحسب الجسد



    المخلِّصُ نفسُه، "الوَسِيطُ بَينَ الله وَالنَّاسِ،َ الإنسَانٌ المَسِيحُ يَسُوع" (1 طيموتاوس 2: 5) هو النورُ الساطعُ، نورُ الاختيارِ الأزليِّ والنعمة. فبأيِّ استحقاقاتٍ سابقةٍ سسواء من جهة الإيمانِ أم من جهة الأعمالِ، استحقَّتِ الطبيعةُ البشريّةُ التي فيه أن تصيرَ كذلك؟ أسألُكم فأجيبوا: كيف استحقَّ ذلك الإنسانُ أن يتّخذَه الكلمةُ الأزليُّ بأزلية الآبِ، فيجعلَه وذاتَه  أقنومًا واحدًا، وأن يكونَ ابنَ الله الوحيد؟ لأيِّ صلاحٍ سابقٍ فيه؟ ماذا سبقَ وعمِلَ ذلك الإنسان، بماذا آمنَ، ماذا سألَ، ليبلُغَ مثلَ هذا السمُوِّ الذي لا يوصفُ؟ أليسَ أنَّ الكلمةَ نفسَه هو الذي صنع وهو الذي اتخذ ذلك الإنسان الذي منذ أن بدأ فكان، في اللحظةِ نفسِها بدأ فكان ابنَ الله الوحيد؟
    لنَرَ إذًا أنَّ رأسَنا هو ينبوعُ النعمة، ومنه تَفيضُ في كلِّ واحدٍ من أعضائِه بحسبِ مقدرتِه على القبول. بهذه النعمةِ يصيرُ كلُّ إنسانٍ منذُ بدءِ إيمانِه مسيحيًّا. وبالنعمةِ نفسِها صارَ المسيحَ ذلك الإنسانُ منذُ بدأَ وكان. وُلِدَ ولادةً جديدةً بالروحِ نفسِه الذي وُلِدَ به الولادةَ الأولى. بالروحِ نفسه تتِمُّ فينا مغفرةُ الخطايا، وبالروحِ نفسِه تحدَّدَ ألا يكونَ فيه هو خطيئة. وقد عَلِمَ الله بعلمِه السابِق أنّه سيصنعُ هذا. هذا هو اختيارُ القدِّيسِين الأزليُّ الذي تجلًّى بصورةٍ ساطعةٍ في القدّوسِ بينَ القدّيسين. مَن يُنكِرُ هذه الحقيقةَ، إنْ فهِمَها فهمًا صحيحًا؟ لأنّنا عَلِمْنا أنّ ربَّ المجدِ نفسَه كانَ محدَّدًا له منذُ الأزلِ، أن يكون ذلك الإنسان وأن يكونَ ابنَ الله..
    لقد حدَّدَ الله بعلمِه واختيارِه الأزليِّ أنّ يسوعَ الذي سيكونُ ابنَ داودَ من حيث الجسدُ، سيكونُ في الوقتِ نفسِه بالقدرةِ ابنَ الله بحسبِ روحِ القداسة. لأنه وُلِدَ من الروحِ القدسِ ومن مريمَ العذراء. هذا هو العملُ الفريدُ والذي يعجز دونه الكلام أنْ أخذَ اللهُ الكلمةُ طبيعةَ الإنسان: فهو في الوقت نفسه ابنُ الله وابنُ الإنسان. هو ابنُ الإنسانِ من حيث الطبيعةُ المتَّخَذَة، وهو ابنُ الله من حيث الطبيعةُ المتَّخِذة أي كونُه ابنَ الله الوحيد (المتّخِذِ الطبيعةَ البشرية). هذا قولٌ حقٌّ وواجب. فلا يَظُنَّنَّ أحدٌ أنْ ليس هناك ثالوثٌ بل أربعة.
    لقد حدَّدَ الله بعلمِه واختيارِه الأزليِّ أن تَسمُوَ هذه الطبيعةُ البشريةُ سُمُوًّا ليسَ فوقَه سُمُوٌّ، فلا يمكن أن تُرفَعَ إلى أعلى. وكذلك الطبيعةُ الإلهيةُ التي وضعَتْ نفسَها من أجلِنا فقد بلغَتْ حدًّا من التواضعِ ليسَ دونَه تواضع، إذ قَبِلَ (كلمةُ الله) طبيعتَنا بما فيها من ضعفٍ حتى الموتِ على الصليب. وكما حدَّدَ الله بعلمِه واختيارِه الأزليِّ أن يكونَ الابنُ الوحيدُ رأسَنا، كذلك حدَّدَ أن نكونَ نحن الكثيرين أعضاءَه. فَلْتصمُتْ هنا الاستحقاقاتُ البشريّةُ التي هلكَتْ مع آدم، وَلْتَملِكْ نعمةُ اللهِ بيسوعَ المسيحِ ربِّنا، ابنِ اللهِ الوحيد، والربِّ الواحد. ومن سعَى ووجدَ في رأسِنا الاستحقاقاتِ السابقةَ لهذه الولادةِ الفريدة،  فَلْيبسعَ وليجِدْ فينا أيضًا نحن الأعضاءَ، هذه الاستحقاقاتِ السابقةَ نفسَها التي تكرَّرت وتكاثرت بالولادةِ الجديدة (في كلِّ واحدٍ منّا).