Follow by Email

dimanche 3 juillet 2016

من مواعظ القديس أغسطينس الأسقف (العظة 19: 2- 3: CCL41، 252- 254) الذبيحة لله هو روح منسحق


    "إنّي عَالِمٌ بِمَعَاصِيَّ" (مزمور ٥٠: ٥). أنا أعترفُ وأنت تغفر. لا ندَّعِ أنَّنا كاملون ومن غيرِ خطيئة. يعيشُ الإنسانُ ويُحِبُّ الحياةَ ولكنْ عليه أن يستغفرَ دائمًا. قد يتملَّكُ اليأسُ بعضَ النَّاسِ، فينسَوْن خطاياهم، وبقدرِ ما ينسَوْنها يحملُهم فضولُهم على التَّدقيقِ في خطايا غيرِهم. ويفعلون ذلك لا ليُصلحوا الخطيئةَ بل ليَعيبوا بها غيرَهم. لا يستطيعون أن يَعذِروا أنفسَهم فيشتكون على غيرِهم. ليس هذا هو المثلَ الذي يقدِّمُه لنا داودُ النَّبيِّ لصلاتِنا وبحثِنا عن رضى الله، حينَ قال: "إنّي عَالِمٌ بِمَعَاصِيَّ، وَخَطِيئَتِي أمَامِي فِي كُلِّ حِين" (مزمور ٥٠: ٥). لم يكن هو مدقِّقًا في خطيئةِ غيرِه. بل كانَ يحاسبُ نفسَه من أجلِ خلاصِ نفسِه، ولم تكنْ محاسبتُه لنفسِه ملاطفةً لنفسه، بل نفذَت حتى بلغَت أعمقَ ما في نفسِه. لم يصفَحْ هو عن نفسِه، وَلِينالَ الصَّفحَ من الله صلَّى وابتهلَ من غيرِ ادّعاء.
    أتريدُ أن تنالَ الصَّفحَ من الله؟ تأمَّلْ فيما تَصنَعُ أنت مع نفسِكَ حتى يَصفَحَ اللهُ لك. وتنبَّهْ لكلماتِ المزمورِ هذه: "لو شئتَ ذبيحةً لقرَّبْتُ، ولكنَّك لا ترتضي بالمحرقات" (ر. مزمور ٥٠: ١٨). إذًا أتبقى من غيِر ذبيحة؟ ألا تقرِّبُ شيئًا لتنالَ الصَّفحَ والرِّضوان؟ ماذا قلتَ؟ "لو شِئْتَ ذبيحةً لَقَرَّبْتُ، ولكنّك لا ترتضي بالمُحرَقَات". تابِعْ القراءةَ وأصغِ وقُل: "إنما الذَّبيحةُ لله رُوحٌ منكسِرٌ، القلبُ المنكسِرُ المنسحقُ لا يزدريه الله" (ر. مزمور ٥٠: ١٨). تركْتَ ما كنتَ تقرِّبُه، فوجدْتَ ما تقرِّبُه. كنتَ تقرِّبُ في زمنِ الأجدادِ ذبائحَ من الغنم. تلك كانَت ذبيحتُك: "لو شئتَ ذبيحةً لقرَّبْتُ". تلك القديمةَ لا تطلُبْها، بل اطلُبْ الذَّبيحةَ الحقيقيَّة.    
    قال: "إنّك لا ترتضي بالمحرقات". إن لم ترتضِ بالمحرقاتِ سوف تبقى إذًا من غيِر ذبيحة؟ كلا. الذبيحةُ لله هو الرُّوحُ المنكسر، والقلبُ الخاشعُ والمتواضعُ لا يزدرِيه الله. لديك إذًا ما تقرِّبُه. لا تقلِّبْ نظرَك في القطيع، ولا تَبنِ السُّفُن، ولا تذهَبْ إلى أقاصي الأرض لتجلبَ العطورَ والبخور. بل ابحثْ في قلبِك عمّا هو مَرضِيٌّ لدى الله. يجبُ أن يكونَ القلبُ منكسرًا. أتخافُ إذا انسحَقَ القلبُ أن يزول؟ اسمَعْ هنا ما لدبك: "قَلبًا طَاهِرًا اخلُقْ فِيَّ يَا الله (مزمور ٥٠: ١٢). ولكن حتى يُخلَقَ القلبُ الطَّاهرُ يجبُ أن يُسحَقَ القلبُ الخاطئ.
    لا نرضَ عن أنفسِنا عندما نخطأ، لأنَّ الخطايا لا تُرضِي الله. ولأنَّنا لسْنا بلا خطيئة، فلنكُنْ شبيهِين بالله أقلَّه بهذا: بأن لا نَرضَى عمّا لا يَرضَى هو عنه. وهذا وجهٌ من الأوجهِ المتنوِّعة لتتميمِ مشيئةِ الله: لا تَرضَ في نفسِك عمّا لا يرضى عنه ذاك الذي أبدعَكَ.