Follow by Email

mercredi 13 juillet 2016

من كتابات القديس أمبروزيوس الأسقف في الأسرار (رقم 19- 21 و 24 و26- 38: SC 25 مكرر، 164- 170) إنّ الماءَ من غيرِ الرُّوحِ لا يطهِّر



    قِيلَ لك سابقًا أنْ لا تؤمنْ فقط بما تراه العين، لئلَّا تقولَ في كلِّ شيء: أهذا هو السِّرُّ العظيم الذي "لَمْ تَرَهُ عَيْنٌ وَلا سَمِعَتْ بِهِ أذُنٌ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلبِ بَشَرٍ (ر. 1قورنتس 2: 9)؟"  تقول: أنا أرى المياه التي كنتُ أراها كلَّ يوم. أهَذِهِ هي المِياهُ التي سوف تُطهِّرُني؟ لقد اغتسَلْتُ فيها مرارًا ولم أطهُرْ؟ اعلَمْ من هنا أنَّ الماءَ من غيرِ الرُّوحِ لا يطهِّرُ.
    ولهذا أيضًا قرأْتَ أنّ الشُّهودَ في المعموديَّةِ ثلاثة، وهم واحد (ر. 1 يوحنا 5: 8): الماءُ والدَّمُ والرُّوحُ. فلا يتمُّ سرُّ المعموديَّةِ إن نقصَ واحدٌ من هؤلاء الثَّلاثة. فما قيمةُ الماءِ من غيرِ صليبِ المسيح (أي من غيرِ الدَّم)؟ إن خلا من قوّةِ السِّرّ، فما هو إلا عنصرٌ من عناصرِ الطَّبيعةِ العاديّةِ. ومن جهةٍ أخرى، من غيرِ الماءِ لا يتِمُّ سرُّ الولادةِ الثَّانية: "مَا مِن أحَدٍ يُمكِنُهُ أن يَدخُلَ مَلَكُوتَ الله إلا إذَا وُلِدَ مِنَ المَاءِ وَالرُّوحِ" (يوحنا 3: 5). يؤمنُ الموعوظُ بصليبِ الرَّبِّ يسوعَ الذي يُوسَمُ به. ولكن، ما لم يُعمَّدْ باسمِ الآبِ والابنِ والرُّوحِ القُدُسِ لا ينالُ مغفرةَ الخطايا، ولا حياةَ النِّعمةِ الرُّوحيَّة.
    نُعمانُ السُّوريّ اغتسلَ سبعَ مرّاتٍ بحسبِ حكمِ الشَّريعة. وأمّا أنتَ فتعمّدْتَ باسمِ الثَّالوثِ الأقدس. اذكُرْ ما صنعْتَ: اعترفتَ بالآب، واعترفْتَ بالابن، واعترفْتَ بالرُّوحِ القُدُس. حافِظْ على نظامِ الأشياء. بهذا الإيمانِ مُتَّ عن العالم، وقُمْتَ بقيامةِ الرَّبِّ وأصبَحْتَ مكرَّسًا لله. كأنّك دُفِنْتَ في ذلك العنصرِ المادّيِّ (أي الماء) عن الخطيئة، ثم قُمْتَ للحياةِ الأبديّة. آمِنْ إذًا أنَّ المياهَ ليسَت خاليًة (من النِّعمة).
    الرَّجلُ المشلولُ عندَ بابِ الغنمِ كانَ ينتظرُ إنسانًا ما. ومَن ذلك الإنسانُ غيرُ الرَّبِّ يسوعَ المولودِ من عذراءَ، والذي بمجيئِه لم يَشفِ بعضَ الأفرادِ شفاءً ظاهرًا فقط، بل شفى الجميعَ شفاءً حقيقيًّا. هو إذًا الإنسانُ الذي كانَ ينتظرُه لينزلَ في الماء. هو الذي قالَ فيه يوحنا المعمدان: "إنَّ الَّذِي تَرَى الرُّوحَ يَنزِلُ فَيَستَقِرُّ عَلَيهِ هُوَ ذَاكَ الَّذِي يُعَمِّدُ في الرُّوحِ القُدُسِ" (يوحنا 1: 33). وقد شَهِدَ له يوحنا قال: إني "رَأيْتُ الرُّوحَ يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ كَأنَّهُ حَمَامَةٌ فَيَستَقِرُّ عَلَيهِ" (يوحنا 1: 32). ولماذا حلَّ عليه الرُّوحُ بصورةِ حمامة، إلَّا لكي ترى أنتَ، وتعرفَ أنت أنّ تلك الحمامةَ التي أرسلَها نوحُ من الفُلك كانتْ صورةً للرُّوح، فتعرفُ من ثمَّ أنّها صورةٌ للسِّرِّ.
    أيوجدُ بعدَ ذلك ما يدعوكَ إلى الشَّكّ؟ حينَ يَهتِفُ الآبُ بك في الإنجيل فيقولُ: "هَذَا هُوَ ابنِي الحَبِيبُ الَّذِي عَنهُ رَضِيتُ" (متى 3: 17)،ِ يَهتِفُ معه الابنُ الذي استقرَّ  عليه الرُّوحُ القُدُسُ مثلَ حمامة، ويهتفُ الرُّوحُ القدُسُ الذي نزلَ بصورةِ الحمامة. وَيهتفُ داودُ النَّبيّ: "صَوتُ الرَّبِّ عَلَى المِيَاهِ، إلَهُ المَجدِ أرعَدَ، الرَّبُّ عَلَى المِيَاهِ الغَزِيرَةِ"(مزمور 28: 3). يهتفُ بذلك حينَ يَرى النَّارَ، بحسبِ ما جاءَ في الكتابِ المقدَّسِ، تنزلُ من السَّماءِ استجابةً لصلاةِ جِدعُون (ر. قضاة 6: 17- 21)، ولصلاةِ إيليا النَّبيّ، حينَ أرسلَ الله نارًا من السَّماءِ ابتلعَتْ الذَّبيحة. (ر. 1 ملوك 18: 38).
    لا تنظرْ إلى استحقاقاتِ الأشخاص، بل إلى مهمّةِ الكهنوتِ فيهم. إذا نظَرْتَ إلى إيليا، انظرْ أيضًا إلى بطرس وبولس اللذيْن تسلَّما من الرَّبِّ هذا السِّرَّ وسلَّماه لنا. لهؤلاء (جدعون وإيليا) أُرسِلَتْ النَّارُ بصورةٍ ظاهرةٍ ليؤمنوا. وأمّا نحن الذين نؤمنُ فتفعلُ فينا نارٌ لا تُرى. أُرسِلَتْ إليهم صورةً ورمزًا، ولنا ظهَرَتْ الصُّورةُ وأُعلِنَ الرَّمز. أنا أومنُ أنَّ يسوعَ المسيحَ حاضرٌ بينَنا، وإليه يرفعُ الكهنةُ ابتهالاتِهم، هو القائل: "حَيثُ اجتَمَعَ اثنَانِ أو ثَلاثَةٌ بِاسمِي كُنْتُ هُنَاكَ بَينَهُمْ" ( متى 18: 20). فإن حضرَ في هذه الحالة، فإنّه يتنازلُ ويحضرُ بصورةٍ أَوْلى حيث تكونُ الكنيسةُ وحيث تكونُ الأسرار.
    نَزَلْتَ إذًا في الماء. اذكُرْ بماذا أجبْتَ، أنَّك تؤمنُ بالآبِ، وأنّك تؤمنُ بالابنِ، وأنَّك تؤمنُ بالرُّوحِ القُدُس.لم تقُلْ: أُومِنُ بالأكبر ثم بالأصغر وبالأخير منهم. بل نطَقْتَ والتزَمْتَ بما نطَقْت. قُلْتَ إنّك تؤمنُ بالابنِ كما تؤمنُ بالآب، وتؤمنُ بالرُّوحِ القُدُسِ كما تؤمنُ بالابن، مع الفرقِ الوحيدِ فيما يتعلّقُ بالصَّليب: فأنتَ تؤمنُ وتعترفُ أنّ يسوعَ المسيحَ وحدَه ماتَ على الصَّليب.