Follow by Email

mardi 26 juillet 2016

من مواعظ القديس باسيليوس الكبير الأسقف (العظة في المحبة، 3، 6: PG 31، 266- 267 و 275) ازرعوا لأنفسِكم أعمالَ البِرّ


اقتدِ بالأرضِ، أيُّها الإنسَان: أثمِرْ ثمرًا مثلَها، لئلا تَظهرَ أنتَ أدنى من الأشياءِ غيرِ الحيّة. تلكَ تُعطِي ثمرًا لا لفائدتِها بل لخِدمَتكَ أنت. أمّا أنتَ فبكلِّ عملٍ صالحٍ تعملُه فإنّك تَجمَعُ لنفسِك، بما أنّ نعمةَ الأعمالِ الصَّالحةِ ومكافأتَها تعودُ على مُعطِيها. إذا أعطَيْتَ الجُوعانَ، فما أعطيتَه يصيرُ لك ويعودُ إليكَ مع الفائدة. كما أنّ الحنطةَ التي تقعُ في الأرضِ تعودُ لمنفعةِ الزَّارع، كذلك الخبزُ الذي أعطَيْتَه للجائعِ فإنّه يعودُ عليكَ في ما بعدُ بربحٍ وفِير. فَلْتَكُن لك إذًا غايةُ الزَّرعِ هنا بدايةَ الثَّوابِ أي الزِّرعِ الإلهي. يقول الكتاب: "ازرَعُوا لأنفُسِكُم بِالبِرِّ" (هوشع 10: 12).
    سوف تترُكُ هنا المالَ ولو مُرغَمًا. وستحملُ معكَ إلى الله المجدَ الذي استحقَقْتَه بالأعمالِ الصَّالحة. حين تقفُ أمامَ ديّانِ العالَمِين سوف يهتفُ الشَّعبُ لك، ويَصِفُكَ بالمُعِيلِ والمُحسِنِ، وبكلِّ صفاتِ الإنسانيّةِ والرَّأفة. ألا تَرى هؤلاء الذين يُلقُون بأموالِهم في المسارحِ والملاعبِ وفي التَّمثيلِ، ومُصارِعِي الوحوش ومنظرَهم المُفزِعَ لأوّلِ وهلة؟ وكلُّ ذلك في سبيلِ كرامةٍ زائلةٍ ومن أجلِ هتافاتٍ وتَصفيقٍ من الشَّعبِ.
    وأنتَ أتَبخَلُ في إنفاقِ ما يُولِيكَ ربحًا وفيرًا؟ فتنالَ رِضَى الله، ومديحَ الملائكةِ، وكلُّ إنسانٍ في جميعِ أنحاءِ المعمورةِ يهتِفُ بفضلِكَ. وبدلَ الأموالِ الزَّائلةِ التي أحسَنْتَ إنفاقَها سوف تنالُ مكافأةَ المجدِ الأبديِّ وإكليلَ البِرِّ وملكوتَ السَّماوات. ولكنّك قد لا تبالي بهذا كلِّه، وتحتقرُ رجاءَ المؤمنين، بسببِ اهتمامِك بما هو حاضر. هيّا وزِّعْ أموالَك.كُنْ سخيًّا كبيرَ النَّفسِ وأَجزِلِ العطاءَ للمحتاجين. ولْيقولوا فيكَ: "وَزَّعَ وَأعطَى المَسَاكِينَ. فَبِرُّهُ يَدُومُ لِلأبَدِ" (مزمور 111: 9).
    كم يجبُ أن تكونَ شاكرًا للمُحسِنِ العظيمِ! كم يجبُ أن تفرحَ وتتهلَّلَ بسببِ الكرامةِ التي جعلَها لك: فلَسْتَ أنت الذي تذهبُ طالبًا عندَ أبوابِ الآخَرِين، بل الآخَرُون قائمون على أبوابِك. أمّا أنتَ فعابسٌ، ويَصعُبُ الوصولُ إليك، وتتجنَّبُ كلَّ لقاءٍ، لئلا تُضطَرَّ إلى أن تُخرِجَ من يدِكَ ولو شيئًا يسيرًا. أنتَ لا تعرفُ إلا كلمةً واحدة: أنا لا أملِكُ شيئًا ولن أعطيَ شيئًا لأنّي فقير. نعم، أنتَ فقيرٌ ومحتاجٌ إلى كلِّ شيء. أنت فقيٌر في المحبّة، وفقيرٌ في الإنسانيّة، وفقيرٌ في الإيمانِ بالله، وفقيرٌ في الرَّجاءِ الأبديِّ.