Follow by Email

lundi 25 juillet 2016

من مواعظ القديس يوحنا فم الذهب الأسقف في إنجيل القديس متى (العظة 65، 24: PG 58، 619- 622) شركاء في آلام المسيح



    ألحَّ ابنا زَبَدَى على المسيحِ قائلَيْنِ: "امنَحْنَا أن يَجلِسَ أحَدُنَا عَن يَمِينِكَ وَالآخَرُ عَن شِمَالِكَ" (مرقس 10: 37). فماذا قالَ لهما؟ أرادَ أن يبيِّنَ لهما أنْ ليسَ في مطلبِهما شيءٌ روحيٌّ، ولو عرَفَا ما يطلبان، لما تجرَّآ أبدًا على الطَّلَب. فقالَ لهما: "إنَّكُمَا لا تَعلَمَانِ مَا تَسأَلانِ". مطلبُهما أمرٌ عظيمٌ وعجيبٌ بل ويفوقُ السُّلُطاتِ العُلْوِيَّةَ. ثم أضاف: "أتَستَطِيعَانِ أن تَشرَبَا الكَأسَ الَّتِي سَأَشرَبُهَا، وأن تَقبَلا المَعمُودِيَّةَ الَّتِي سَأَقبَلُهَا"؟ قالَ لهما ما معناه: أنتما تكلِّمانني الآن على المناصبِ والمكافآتِ. وأنا أكلِّمُكما على المعاركِ والعَرَقِ المتصبِّبِ. ليسَ الآنَ وقتُ المكافآت، ولا هو الآنَ الوقتُ الذي فيه أُظهِرُ مجدي. بل الحياةُ الحاضرةُ هي قتلٌ وحروبٌ ومخاطرُ.
    ثم انظُرْ كيف استدرَجَهما وحَثَّهما على ما يجبُ أن يَطلُباه. لم يقُلْ لهما: "أتستطيعان أن تتحمَّلا الموتَ؟ أتستطيعان أن تَسفِكا دمَكما؟" فماذا قالَ لهما؟ "أتًستَطِيعَانِ أن تَشرَبَا الكَأسَ"؟  ثم استدرَجَهما بقولِه: "الَّتِي سَأشرَبُهَا"، فبمشاركتِه يُصبِحان أكثرَ  استعدادًا. وسمَّى ذلك معموديَّةً، مبيِّنًا أنّه تطهيرٌ كبيرٌ للعالمِ كلِّه. أجابا: "نَستَطِيعُ". وعداه لأنَّهما كانا مندفعَيْن، لا يعرفان ما يقولان، ولكنَّهما توقَّعا أن ينالا ما طلَبَا.
    ماذا قالَ لهما بعدَ ذلك؟ "إنَّ الكَأسَ الَّتِي أشرَبُهَا سَوفَ تَشرَبَانِهَا، وَالمَعمُودِيَّةُ الَّتِي أقبَلُهَا سَوفَ تَقبَلانِهَا".  تنبَّأَ لهما بنعمةٍ كبيرةٍ. قال: ستكونان أهلًا للاستشهادِ، وستتألَّمان بما أتألمَّ، وستكونُ نهايةُ حياتِكما عنيفةً. في هذا ستكونان شريكَيَّ. "وَأمَّا الجُلُوسُ عَن يَمِينِي أَو شَمَالِي، فَلَيسَ لِي أن أمنَحَهُ، بَل هُوَ  لِلَّذِينَ أَعَدَّهُ لَهُم أَبِي" (متى 20: 23). بعد أن بعثَ الحماسَ فيهما وسَمَا بهما إلى ما هو أسمى، وجعلَهما فوقَ الحزنِ، إذّاك صحَّحَ  مطلبَهما.
    "استاءَ العشَرَةُ من الأخوَيْن" (ر. متى 20: 24). انظُرْ كم كانوا كلُّهم غيرَ كاملِين، هاذان اللذان حاولا أن يتقدَّمَا على العَشَرَةِ، كما والعشَرَةُ الذين حسَدوا الاثنَيْن. ولكن ،كما قُلْتُ، لنَنظُرْ إليهما في ما بعد ، سنَرَى أنَّهما تجرَّدا من كلِّ هذه المشاعر. سنَرى كيف أنَّ يوحنا نفسَه الذي تقدَّمَ الآنَ لهذا الغرض، كانَ دائمًا يُقَدِّمُ بطرسَ في المكانِ الأوَّل، سواءٌ في الكلامِ أو في اجتراحِ العجائبِ، كما يشهدُ بذلك سفرُ أعمالِ الرسل. أمَّا يعقوب، فلم يَعِشْ طويلا بعدَ هذه الحادثة. كانَ منذ البدءِ ممتلئًا حماسًا شديدًا، فرذَلَ كلَّ الأمورِ البشريَّةِ، وارتفعَ إلى قِمّةٍ يَعِزُّ وصفُها، فكانَ نصيبُه الاستشهادَ.